اضواء - الشاعر شاكر لعيبي لــ (الزمان) : من الوهم مطالبة كل عقد انجاب جيل ادبي - عبد الرزاق الربيعي


منذ ثلاث وعشرين سنة والشاعر شاكر لعيبي يلف العواصم والمنافي باحثا عن عشبة الكلمة التي تمنح قصيدته ديمومتها وبقاءها في الذاكرة الشعرية. بعد خروجه من بغداد مطلع الثمانينات انتقل إلي بيروت ودمشق وعدن واستقر في السنوات الأخيرة في جنيف حيث واصل دراسته العليا وحصل علي درجة الدكتوراه في العلوم الاجتماعية متخصصاً في الفن الإسلامي
. وشاكر لعيبي بالإضافة إلي كونه شاعرا عراقيا معروفا فهو باحث ورسام ونحات وناقد تشكيلي ومترجم نال أكثر من جائزة أدبية، وحقق حضورا في الملتقيات الأدبية والأوساط الثقافية الدولية، وقد صدر له مؤخرا عن دار المدي كتاب جديد أثار جدلا واسعا ذلك لأنه أرخ فيه لمرحلة مهمة من الشعر العراقي الحديث ألا وهي مرحلة السبعينيات. والكتاب يحمل عنوانا دالا هو (الشاعر الغريب في المكان الغريب(تضمن ثلاثة فصول وثلاثة ملاحق مع شهادات فوتوغرافية ومقدمة يثير فيها الشاعر شاكر لعيبي الذي يقيم حالياً في (أبو ظبي) العديد من المشكلات الجدية. في الدوحة التقينا به وسألناه عن دلالة تسمية كتابه، فأجاب:
ــ لو تكلمتُ نيابة عن أبناء جيلي سأري إنني عشتُ غربتين: غربة داخل العراق وذلك لعدم انسجامي مع الأطر الثقافية والسياسية الضيقة الأفق ــ بما فيها الحزب الشيوعي العراقي ــ التي أنتجت شاعرا غريبا في بلده ممنوعا عن التعبير عن نفسه، كما يجدر بشاب في العشرينات أن يعبر عن نفسه، لا بل لم أكن أستطيع أن انشرها في العراق، هذه غربةٌ أولي مدوّية في الداخل. أما خارج العراق فكان هناك المكان الغريب، وهذه غربة مدوية أخري. لذلك كان قدرنا هو الشاعر الغريب في المكان الغريب وهو أمر لم يحدث لدي أية حقبة شعرية.
û الغربة أهي حالة وجودية؟
ــ لقد تحولت هذه الغربة إلي متعة مؤلمة والي شوكة ثلاثية يمكنك أن تصطاد بها ويمكنك أن تقتل أو تُقتل بسنونها. المنفي هو تراكم معارف وسعة أفق علي المستوي المعرفي لكنه علي المستوي الإنساني حصار وجودي ونفي مضطرد من الداخل إلي الخارج ومن الخارج إلي الداخل، هل ستكون العودة إلي العراق حلا؟ أم أن كلمة الشاعر اليوناني كافافي ستكون صالحة أبداً (إن كانت حياتك قد خربت في هذه الزاوية من العالم فأينما ذهبت ستجد خراباً).
û تطرح في كتابك الجديد الذي تتناول فيه التجربة الشعرية في سبعينيات العراق ــ كما يشير العنوان الثانوي للكتاب ــ رؤية مختلفة عن السائد في الساحة النقدية فأنت تلغي مصطلح ــ الأجيال الشعرية ــ ما البديل الذي تراه مناسبا في هذا المجال؟
ــ ثمة وهم كبير في بعض الثقافة العربية وليس كلها، وهو زعمها إمكانية طلوع جيل كل عشر سنوات، و هو ما يقال لنا بوضوح في بلدان مثل :العراق، ومصر، لكنه شبه معدوم في بلدان مثل لبنان والمغرب اللتين لا نري فيهما تحقيبا عشريا مثل الذي نراه في العراق. هذه الفكرة في تقديري ضرب من ضروب الوهم.
û لماذا؟
ــ لا يمكن بروز سمات شعرية جديدة وتبلور تجارب فكرية وجمالية متميزة عما سبق خلال عشر سنوات من الزمن فقط، هذا من جهة، ومن جهة أخري ليس من طبائع الأشياء حدوث قطيعة معرفية وجمالية وأسلوبية ولغوية بين الأجيال. بدلاً من ذلك توجد في الحقيقة جسور من التواصل التي يمرر عبرها الجيل الأقدم معارفه وخبراته الجمالية إلي الجيل الأحدث. إن تعريف جيل نفسه يعاني من خلل كبير أو انه لم يعرَف البتة في الثقافة العراقية.
û إذن ما هو الجيل؟ لقد اعتدنا التفكير ببروز جيل خلال فترة زمنية تحدد بعشر سنوات؟ أم أن المسالة ابعد من ذلك كثيرا؟
ــ عندما يجري الحديث في الثقافات الأوربية والأمريكية وفي الثقافة الأمريكية اللاتينية عن جيل من الأجيال، يخيل لي أن الأمر يتعلق (بحقبة وتجربة) في آن واحد. (حقبة) تمتد دون أدني شك لفترة اكثر من عشر سنوات و(تجربة) ذات سمات مشتركة لسبب من الأسباب، هكذا يجري الحديث عن جيل ما بعد الحرب العالمية. من وجهة نظر علم الاجتماع، أظن أن الجيل في المفهوم العراقي يتابع تراتبات اجتماعية وعائلية يتوجب فيها احترام الأكبر سنا بمعني أن من يكبرك في العائلة عشر سنوات ينبغي عليك أن تحترمه وتصغي إليه علي أساس أن من (هو أكبر منك بيوم فهو يتفوق عليك بتجربة سنة) كما يقال في المثل العامي السائر. ويبدو أن هذا المثل، هذا المفهوم نفسه قد مرق إلي الثقافة العراقية مثلما ترينا التحقيبات العشرية للأجيال الشعرية. يتوجب علينا منذ اللحظة أن نضع تصورا مختلفا لفكرة الأجيال هذه، وفي تقديري إن الشعر العراقي الحديث قد شهد ثلاثة أجيال بالمعني الذي كنت أقوله عن حقبة وتجربة، ويمكنني بالتالي أن استعيض عن فكرة (الأجيال) بمفهومة (التيارات) واري أن الشعر العراقي الحديث قد شهد ثلاثة تيارات أساسية ذات روافد وظلال. التيار الأول: يمثله الرواد والخمسينيون، الثاني يمثله مجمل الشعر العراقي في مرحلة الستينات، والتيار الثالث يمتد من منتصف السبعينات حتي نهاية القرن العشرين.
û تبدو متحاملا علي الستينيين وطروحاتهم النظرية في كتابك؟
ــ إن من أسس لفكرة الأجيال والقطيعة بين الأجيال هم أدباء العراق الستينيون، لذا يتوجب فحص فرضياتهم بدقة ثم التركيز علي فكرة الاستمرارية بدلا من فكرة القطيعة التي يفترضونها. في كتابي، وخلافا لما ذهب إليه بعض النقاد، فإنني لا أثير قضية شائخة وأنا أتكلم عن الستينيين، وإنما لأنني أري أن جدلا حاسما مع طروحاتهم هو وحده الكفيل بالانتهاء من فكرة التقسيم العشري والخروج بالتالي بتصورات أكثر دقة عن فترات تطور الشعر العراقي الحديث.
û لكنك استخدمت مصطلح ــ جيل ــ في كتابك؟
ــ إذا استخدمت جيلا لتوصيف مرحلة السبعينات فقد استخدمتها مجازا أو جريا علي العادة من اجل المزيد من الوضوح والتواصل مع القارئ. إن مرحلة كاملة رفع الستار عنها بدءا من السبعينات وامتدت إلي يومنا هذا في الشعر العراقي الحديث.
û ما الذي جعل السبعينيين يحققون هذه الطفرة الشعرية التي رأيتها في نتاجهم أثناء قيامك بفحصها نقديا؟
ــ لقد شهدت فترة السبعينات (وليس جيل السبعينات) تغيرات من نمط سياسي واجتماعي وثقافي جوهري مثل: زيارة السادات إلي إسرائيل، والطفرة البترودولارية، استتباب حزبين قوميين في سوريا والعراق، الحرب الأهلية اللبنانية، الهجرة الواسعة للثقافة العربية إلي أوروبا، توسع وانتشار التعليم، حضور المرأة البارز في الفعاليات الثقافية العربية، توسع مخطط المدينة العربية واكتنازها بفعاليات جديدة لم تكن تشابه إلا قليلا ذات المدينة في العشرينات أو الأربعينات.
كل ذلك حدث في السبعينات واستمر بالتطور والتعمق في السنوات اللاحقة. في العراق كُتب الشعر في سياقين: أما في (رحاب المنفي) أو في (رهاب الحرب) ولم يكن ينتج بالضرورة شعرا (فيما يتعلق بالأخير) أقل عذابا وجوديا من الشعر الستيني في حين أن المنافي الواسعة قد زودته بعدة لغوية ومعرفية جديدة كانت تعتبر آنذاك حكرا علي الستينيين.
إذن نحن نتكلم عن مرحلة تمتد ثلاثين سنة ابتدأت في السبعينات حتي نهاية القرن العشرين كما أن فضائل ورذائل تلك البداية قد استمرت طيلة ثلاثين سنة.
û هل ممكن توضيح المقصود بالرذائل؟
ـــ بقيت في داخل العراق هيمنة الايدولوجيا عنصرا بارزا في الثقافة العراقية، وبعد أن كانت هنالك ايديوجيتان سياسيتان فحسب في العراق (قومية، ويسارية) حدث فيما بعد أن سيطرت أيديولوجية واحدة فقط.
û وماذا عن الفضائل؟
ــ إن جميع تجارب وجماليات الشعر العراقي السابق علي مرحلة السبعينات وجدت لها متنفسات خصبة في المنافي وهوامش ضيقة في داخل العراق من اجل أن تمضي بالتجربة الشعرية المعاصرة بعيداً.
û هل تخضع التحولات الشعرية إلي تقسيمات جغرافية؟
ــ يجب أن نكون حذرين عند الإجابة عن هذا السؤال، فبين (الطبيعة) و(الثقافة) ثمة تواشجات وتداخلات أكثر من القطيعة. الجغرافيا لوحدها لا تعني شيئا إذا لم تتدخل بسلوكيات ومفاهيم الكائن القاطن في رقعة جغرافية محددة، حارة كانت أم باردة، والثقافة بدورها هي استجابة مستمرة لشروط خارجية كذلك مثل ثقافة الاسكيمو. هذا السؤال استحث تفكيري في مناسبة غير مناسبة سؤالك هذا، وهي المحاولة النقدية الصغيرة التي أقمتها بين قصيدة (ريلكه) الموسومة (شبابيك) والتي ترجمتها إلي العربية وقصيدة (شباك وفيقة) للسياب التي ترجمتها للفرنسية، وفي لحظة من لحظات التفكير النقدي والقراءات الشعرية للشعراء من مختلف القارات والبلدان خيل إليَ أن المفردتين: (شباك) و(شرفة) تردا ن بصورة كثيفة عند شعراء جنوب العالم. نسمي (لوركا) هنا مثالا علي ذلك، في حين أنها ترد قليلا لدي شعراء من شمال العالم (من هنا استوقفتني قصيدة ريلكه) ويخيل لي أن العلاقة الجسدية للشاعر مع العالم لها اثر ما في تكوين مفرداته، فإن علاقة شاعر يقطن بلدا حارا مع الخارج تكون أكثر حميمية من شاعر لا يسمح له الخارج إلا قليلا بالتماس المباشر معه مكتفيا بتأمله من نافذته مثلاً، لكنني أعاود القول إن العلاقة بين (الطبيعة) و(الثقافة) لا تحتمل الكثير من التبسيط.
û ألهذا يحمل الفصل الأول من كتابك عنوانا هامشيا (بيان الحداثة الريفية)؟
ــ إذا طبقنا مفهوماتنا العربية بصدد الريف والمدينة فسنجد أن شاعرا مثل رامبو ينتمي في الحقيقة إلي الريف الفرنسي مدينة (شارفيل) في جنوب فرنسا، وليس إلي أي مدينة فرنسية كبيرة مثل (باريس) أو (ليون) أو (مرسيليا). وإذن فان الوهم القائل إن انبثاق الحداثة لا يمكن إلا أن يتم في وسط مديني مستتب (بالرغم من صحة هذه الفكرة مبدئيا) ليس سببا كافيا لعدم انبثاقها من الريف. الحداثة يمكن أن تنبثق من الريف بضراوة وطراوة
û ألا تري انك تضع الشروط التي ينبغي أن تتوفر في الشاعر الحداثي علي مقاييسك؟
ــ لقد اكتشفت أن البعض في العراق (وليس في العالم العربي) لا يستطيع استيعاب أن أسماء عوائل ريفية مثل (لعيبي) يمكن أن يكون شاعرا حداثيا من طراز جيد ولا يمكن أن يقبل هذه الفكرة. هذا الوهم الجديد الفادح قادم من عنصرين اثنين: كأننا نوشك بهذه الطريقة علي تأييد التخلف في جماعات اثنية أو ريفية معينة في بلد من البلدان وكأننا لا نؤمن بجدارة الحياة علي توليد الجديد والحديث والطليعي من كل مكان.العنصر الثاني: في تاريخ العراق الحديث فإن غالبية أبناء المدن العراقية العريقة كبغداد والموصل والبصرة ينحدرون أما من عوائل موظفين عثمانيين أو من أصول أرستقراطية تركية أو تجارية عربية وكلها تعلمت في المدارس العثمانية ثم الإنكليزية ثم في المعاهد الأرستقراطية العراقية الأولي، وهي فئات لم تكن تطرأ علي بالها فكرة أن فئات جماعات أخري من أصول اجتماعية مختلفة عنها يمكنها أن تساهم في إدارة عجلة الحداثة.
لقد جري تهميش الريف العراقي وفئاته الاجتماعية والدينية لفترة طويلة ووضع جانبا عن الحياة السياسية والبرلمانية والفكرية بالرغم من منجزات الحوزة العلمية وكبار رجال الدين من جنوب العراق، وكان يُراد علي الصعيد الشعري إلغاء وتهميش مماثل لشعراء قادمين من نفس السماوات. لا أريد أن أقدم مديحا جاهلا ومتعجرفا لتقاليد التخلف في الريف العراقي لكنني أقدم مجرد توصيف أراه موضوعيا للحالة كما هي.

AZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1665 --- Date 18/11/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1665 --- التاريخ 2003 - 11 -18