شاكر لعيبي: بيروت الوردة والعاصفة تختصر الذاكرة ورائحتها

 

الرأي العام-الكويت (‏12 ‏يوليو, ‏2004) 

 

بيروت ـ من محمد الحجيلي: شاكر لعيبي شاعر وباحث عراقي له مجموعة من الدواوين والدراسات وأصدر كتاباً عنوانه «حسرة الياقوت في حصار بيروت» روى فيه تجربته في هذه المدينة التي جاء اليها بعد مغادرته العراق، ورحل عنها بعد الاحتلال الاسرائيلي العام 1982. وقبل مدة زار لعيبي بيروت وكان هذا اللقاء مع «الرأي العام»:

لنبدأ من زيارتك لبيروت، كيف وجدت هذه المدينة بعد غياب اعوام؟

ـ لا شك في ان بيروت تملك مناخاً ثقافياً عصياً على الوصف، كانت يوماً في قمة تألقها، لأنها شكلت مختبراً فكرياً وشعرياً استقطب رموز الثقافة في العالم العربي, لا ادري لماذا يشعر الانسان برخاء في هذه المدينة، كنت احاول ان اقنع نفسي بسبب تعلقي بها، واقول ربما يكون ذلك المناخ الجغرافي المميز، والتعايش الصعب بين الثقافات والطوائف، التي كان قدرها ان تتقارب في هذه البقعة, آنذاك كانت بيروت بالنسبة اليّ الوردة والعاصفة، اليوم خفتت العاصفة وتقلبت الوردة في التراب.

لقد عشت اعواماً في بيروت قبل ان تنتقل الى منفى آخر، ماذا مثلت اليك هذه المدينة ماضياً وحاضراً؟

ـ عندما اقول مختبراً ثقافياً، اقصد انها كانت حقلاً للإبداع، للحرية المفقودة حتى اليوم في العالم العربي, لقد انطلقت من هذه المدينة وتكونت روحياً وثقافياً في بلاد الشام في فترة كانت افواج المثقفين العرب تخرج من بلدانها بحثاً عن متنفسات للتعبير والكتابة، وشروط مؤاتية للثقافة, وأظن ان التعايش في بيروت يشكل لغزاً، اذ تجمع كل الاتجاهات، الفكرية والفلسفية، الفرنكوفونية والانغلوفونية والعربوفونية، الدينية والعلمانية، وتتقاطع الاتجاهات نفسها بين الوعي القابع في الماضي والوعي المستقبلي, هذا التعايش كان يمكن مشاهدته ايضاً في مدينة مثل بغداد، من الاربعينات والخمسينات حتى بداية السبعينات، (شيعة وسنّة وأكراد وكلدان واقليات اخرى) لكن القمع صفع لب التعايش فيها.

في بغداد، كنت من جيل يتشبث بالاوهام الكبرى، وكنا نخرج من العراق استنكاراً للغة الواحدة المفروضة في الحياة الاجتماعية والشعر, ولهذا السبب التقينا في بيروت المدينة المفتوحة على اكثر من تيار ثقافي, وفي حين كان الشعر في العراق منشطراً في لغتين الاولى يسارية والثانية «قومجية», كانت بيروت تتميز بتنوع لغاتها الشعرية حتى في احتضانها المنابر الثقافية, لقد شكلت الضمير الثقافي للمنفيين، وكانت جموع المثقفين والشعراء العرب تظهر مواهبها بين حي الفاكهاني وكورنيش المزرعة وشارع الحمراء.

لقد تعلم المثقفون العرب الآتون من بلدان احادية الفكر وقمعية النزعة، احترام الاخرين والانطلاق من «المؤتلف» الى «المختلف»، ناهيك بأن في الروح اللبنانية نوعاً من السلاسة والكرم.

اتجاهات منفلتة

من الشعراء الذي كنت تلتقيهم في بيروت؟

ـ كان جيلي من العراقيين يلتقي كل التيارات الشعرية في لبنان، من شعراء الجنوب الى الشعراء الفلسطينيين وتيارات اخرى, وكان هناك اتجاهات اكثر انفلاتاً مثل شوقي ابي شقرا، الذي كان يحتضن مجموعة من الشعراء العراقيين الذين يجدون قرابة روحية مع اسلوبه الشعري, وكتاب «حسرة الياقوت في حصار بيروت» محاولة لاسترجاع الاشهر في تلك البقعة الضيقة من بيروت التي كانت تحتضر فجأة وسط امة تخلت عن نفسها.

كتابك الجديد عن بيروت شهادة عن مكان عشت فيه، الى اي حد يؤثر المكان في ذاكرتك؟

ـ المكان اختصار بالغ للذاكرة ورائحتها, اذكر عندما ابحرنا من بيروت الى عدن بعد الاجتياح الاسرائيلي العام 1982، كانت الباخرة تترنح طوال سبعة ايام، وفجأة شعرت بأن المكان الذي كنت فيه في بيروت، يتأرجح مع ترنحات الباخرة وبدا للمرة الاولى في حياتي ملتبساً, كانت الباخرة تختصر فعلاً مكان المنفى, ومع ذلك لم اتوقف عن القول انني ضد اي نوستالجيا.

والمكان الاوروبي؟

ـ المكان الاوروبي التباس مزدوج، انه المنفى الذي يوفر لك كل كرامة في إفلات من المقيدات، ولكنه يمنحك الشعور بانه لا ينتمي اليك بالكامل.

تسع مجموعات

كيف تتواصل مع الشعر في اوروبا؟

ـ لم اكف عن قراءة الشعر الفرنسي والشعر العربي، وتعمقت في اللغة الفرنسية التي زادت قدراتي الشعرية، فضلاً عن الإرث الذي اخذته من الشعر العربي, ترجمت قصائد لرينه شار وقصة «شيطان في الجنة» لهنري ميلر، واصدرت تسع مجموعات شعرية, ويا للاسف القطيعة عن العالم العربي تصير قطيعة شعرية, نحن امة مقطعة الاوصال، اضف الى ذلك ان العراقيين المنفيين لا يملكون اي مؤسسة تجمعهم ولا يمثلون اي منفعة لأحد، لذلك تصير المتابعة لأعمال الشعراء العراقيين مزدوجة الصعوبة، مرة في شكل موضوعي، ومرة في ما يتصل بتبادل المنافع في العالم العربي.

كثيراً ما تصدر الدراسات، هل تكتبها لأنك لا تجد نفسك في الشعر؟

ـ الشعر هو الجانب الوجودي في كينونتي ولكن هناك جوانب ثقافية مهمة في الفكر والجماليات تتيح لي تأكيد ذاتي، لذلك اصدرت العربي المعاصر» وكتابي بالفرنسية «الصوفية والفن البصري» الى كتاب سيصدر قريباً عن العديد من الدراسات النقدية في الفن مثل «الفن الاسلامي والمسيحي العربي» و«خرافة الخصوصية في التشكيل العمارة.

حدثنا عن السجال الذي حصل حول ديوانك «الحجر الصقيلي»؟

ـ في هذا الديوان، كنت اسعى الى تجربة بدت لي جديدة في الشعر العربي، هي إدخال القافية في قصيدة النثر, وقد احدثت سجالاً في الوسط الثقافي، بذريعة انها تشكل طعنة لتجربة القصيدة الحديثة وعودة الى عناصر يظن الجميع انه تم تجاوزها, اعتقد ان الحداثة ليست عناصر شكلية وانما رؤية للعالم والكون, وعنصر الشكل مثل القافية لا يعني شيئاً في ذاته وانما طريقة استخدامه في النص, وقد اثار استيائي ان الكثيرين ممن كتبوا عن هذه التجربة لم يقرأوا نصاً واحداً من الكتاب وسارعوا الى القول ان الامر يتعلق بالسجع.