في روح العراقيين مزيج من التضحية البابلية والقسوة الفلاحية
شاكر لعيبي: اندفاعة الركاكة في قصيدة النثر استأثرت بالمشهد الشعري

اسكندر حبش

السفير بتاريخ 2004/07/02

 

 

 منذ <<نص النصوص الثلاثة>>، حفر الشاعر العراقي شاكر لعيبي مكانته الخاصة في المناخ الشعري الراهن، وهي مكانة يؤكدها من مجموعة الى أخرى ومن كتاب الى آخر. مؤخرا صدر له كتاب <<حسرة الياقوت في حصار بيروت>> الذي يروي تجربته في هذه المدينة التي جاءها بعد مغادرته العراق، وقبل ان يرحل عنها بعد الاحتلال الإسرائيلي.
مؤخرا، زار شاكر لعيبي بيروت، حيث كان هذا اللقاء الذي تطرق الى عدة موضوعات: شعرية وتنظيرية وحياتية.
لنبدأ من كتابك الأخير الصادر حديثا بعنوان <<حسرة الياقوت في حصار بيروت>>، كتاب ينتمي إلى <<أدب الشهادة>> أكثر من كونه ينتمي إلى أدب الرحلة مثلما تحاول السلسلة أن تقول. على كل، كيف تصف أنت نفسك الكتاب؟
 نعم، إنها شهادة مندغمة برحلة. علينا أن نلاحظ أن النزعة الوصفية في أدب الرحلة تقدم، غالباً، شهادة ثمينة عن المكان الموصوف. الرحلة تتم في شروط جغرافية وتاريخية محددة، ولا تحتمل، من هذه الوجهة، إلا القليل من الحيادية. الوصف نفسه، وكل نزعة سردية مهما تلبست من لبوسات باردة ليست سوى شهادة على طريقتها الخاصة للمكان والكائن الذي يشغل المكان. أحسب أن السلسلة التي صدرت بها المجموعة تتعلق، بشكل أساسي، بذاكرة المكان، وهي بهذا المعنى، تستوعب أدب الرحلة المعبّر المثالي، بل الصارخ، عن فكرة الفضاء المكاني، لكنها تستوعب كل ما يجاور ذلك الأدب، أي الكائن في الفضاء.
في الكتاب، ثمة حنين كبير إلى بيروت، كأنها في كثير من الأحيان، تختصر أماكن كثيرة. ما الذي دفعك إلى <<تأريخ>> هذه المرحلة؟ كيف تجدها اليوم بعد هذه السنين من مغادرتك لها؟ هل لا تزال تشعر بالحنين إليها؟
 لا أدري بالضبط، ولا أستطيع توجيه بوصلة مشاعري إزاء بيروت. ربما الحنين إليها هو الحنين إلى تلك اللحظة النادرة من الحرية. سأقول من الحريات. لقد شعرت دائما، وأشعر بعد عشرين سنة من مغادرتي إياها بأن الطلاقة وأن التوق للانعتاق المطلق هو ما يحكم الكائن في هذا المكان. لسنا فحسب أمام طلاقة في استخدام اللُعب السياسية والبرلمانية المعقدة، ولا في استخدام ما توفره الطبيعة، لكن كذلك في الاستخدام الباهر للجسد الفيزيقي نفسه، المشبع بحرية جوهرية عصية على الوصف. لكل منا، بالطبع، بيروته. بيروت التي تمتلكني هي مختبر الاختلاف والمختلف، هي هذه الفوضى الضرورية أمام الانضباط العربي الزائد عن الحد وغير الضروري، أو ذاك الانضباط العقلاني الشديد للمجتمع الأوربي. تعرف ما قاله بول فاليري: <<خطران يهددان العالم: النظام والفوضى ordre et le desordre>>. بيروت تقع بين هذين الشرطين. انها ميالة، بشكل واضح، إلى الفوضى. لكن هذا ليس أهم ما في الأمر: هناك شيء آخر فيها وهو كينونتها الحاضنة للتلاقح الديني والطائفي الذي بقدر رغبته في فهم الآخر واستيعابه والتشظي به، يظل منغلقاً على نفسه مثل نواة صلبة لا تتشظى.
ما لفتني في كتابك، أن بيروت تبدو حاضرة أكثر من غيرها كالعراق مثلا في تكوينك الثقافي، على الأقل من حيث طرحها لأسئلة كثيرة عليك. هل تجد أن ثمة مدناً عربية تستطيع اليوم أن تعيد طرح أسئلتها الثقافية بهذه الحدة التي تتحدث عنها، في الكتاب؟
 لقد تكونت جزئيا في العراق، وكانت أول المواجهات الثقافية الجادة، المختلفة نوعياً عن تلك السائدة في العراق، تحضر في وجداني هنا في بيروت. أسئلة لبنان الثقافية في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات ليست البتة أسئلة بغداد. من القصيدة المنغلقة على نفسها عروضياً، المشددة على معنى إنساني أو سياسي، في العراق، إلى قصيدة متفلتة عن أنظمة الشعر العربي الصارمة، إلى جنوح تخيلي يذهب حتى تخوم اللامعنى في بيروت، فإن المسافة عريضة ومعتبرة، وبها تقدح شرارات أسئلة مغايرة بهذا القدر وذاك.
لا أحسب أن هناك الكثير من المدن العربية القادرة على طرح أسئلتها الثقافية بالحدة الموجودة في بيروت. ربما ستستطيع بغداد والقاهرة ودمشق وتونس والرباط التفتق على رهانات ثقافية وأسئلة حيوية فيما لو تيسرت شروط الرقابة على العقل. ليست العقول الوثابة، المفكرة، الخلاقة ما ينقص مدن العالم العربي الأساسية، ولكن شروط تفتحها، بل الشرط البديهي في التعبير عن الذات بتلك الحرية اللائقة بالعقل الآدمي.
الشيء العراقي
أصدرت منذ فترة أيضا، كتابا عن جيل السبعينيات في العراق بعنوان <<الشاعر الغريب في المكان الغريب>>، وهو يأتي بعد كتب تنتمي إلى الشريان ذاته قام بإصدارها بعض الشعراء العراقيين عن الأجيال التي ينتمون اليها. ما السبب الذي يدفع الشاعر الى اعادة قراءة مرحلته؟
 السبب هو أن جيلي من بين جميع أجيال الشعر العراقي تعرض إلى خسارتين، تقع الأولى في المكان، والثانية في القراءة النقدية المنجزة بسبب تقلقل المكان. الرجرجة المستمرة للمكان لا تسمح بمتابعة الأثر الشعري للشاعر، بل لحقبة كاملة. من جهة أخرى فقد قُرئ منجز جيلي، فحسب، على صورة ما سأسميه مترددا بالضوضاء الأيديولوجية السائدة في العراق السبعيني، بل على ضوء ما تسمح به القراءة الرسمية التي كانت تحذف أو توطّن ما تشاء من الأسماء والمنجزات. الصخب الأيديولوجي والقراءة الرسمية حرّفت النقد عن مهماته الأكثر بساطة ألا وهي التعرف على هم (جيل وحقبة). إن نتائج المنفى لا تقل فداحة عن نتائج القراءات المؤدلجة. كما أن توزع شعراء هذا الجيل على رقعة جغرافية خرافية تمتد من العراق حتى البلدان الإسكندنافية لم يكن يسهل المتابعة النقدية ولا نشر مجموعة شعرية ولا الترويج لها. أضف لذلك أن جيلي، مثل غالبية المثقفين العراقيين خارج بلدهم، لم يشكلوا وما زالوا إلى حين، حقل منفعة لأحد في عالم الثقافة العربية المتأسس جوهرياً، منذ حين، على تبادل المنافع. عنوان الكتاب يذهب مباشرة إلى فكرة <<الشاعر الغريب في المكان الغريب>> ويسعى لأن يرينا تلك المفارقات أثناء عملها. إن الفارق بين كتابي عن جيلي وبالمناسبة فأنا أعارض التحقيب العشري بشدة وأتكلم بالأحرى عن <<حقبة وتجربة>> والكتب التي أُنجزت عن تجارب الستينيين تقع في أن التجربة الستينية قد تكرّستْ، عن حق وباطل، منذ وقت طويل في الضمير الشعري العراقي بصفتها منجزاً لا يُناقش، وما تلك الكتب سوى متابعات وحفريات جديدة في طبقات أخرى من تجربة ثابتة ومكرسة، بينما قد يشكل كتابي سابقة في وضع السبعينيات في سياق تاريخي محدد ونقد السياقات اليسارية والقومجية التي سعت إلى حرف الشعر عن مساره، والإشارة إلى الأسماء التي لا يُشار إليها عادة من هذا الجيل، وإعادة الاعتبار لها مقابل التخفيف من وطأة الادعاء الستيني.
ثمة سؤال لا بد أن يطرح نفسه اليوم: أنت شاعر عراقي، غادرت بلادك منذ فترة طويلة. كيف تنظر إلى ما يحدث اليوم في العراق؟ هل تفكر بالعودة مثلا إلى هناك ذات يوم؟
 سأقول لك شيئاً: إن التجربة العراقية تختلف عن أية تجربة عربية أخرى، لأنها تجربة اقتلاع بالمعنى الفيزيقي والروحي، عن التربة الأصلية. موضوعياً تكوّن، منذ ربع قرن، شطر من الثقافة والشعر العراقيين في الخارج، وعملياً كوّن العراقيون لأنفسهم بيوتاً ولد أبناؤهم فيها ومنها ذهبوا إلى مدارس منافيهم. لقد كونوا صداقات ومصالح وتعلموا لغات أجنبية ما فتئوا يتكلمون بها يومياً. كل نوستالجيا كما نعلم تنطوي على ضعف إنساني، خاصة إذا كانت حنيناً بائساً إلى تقاليد التخلف المحلي، وهو أمر لا ينفي أن في روح العراقيين شيئا <<عراقيا>> من الصعب وصفه أو اقتلاعه، هو مزيج من التضحية البابلية والقسوة الفلاحية (وليس العنف كما يحلو لأدونيس أن يقول). العراقيون طيبون والبعض منهم في قمة نادرة من قمم الوعي الجمالي والفلسفي التي لم تتح لها الفرصة أن تتبلور بصياغات أكثر هدوءاً، بسبب الغياب الدائم والتهديم المستمر للمؤسسات الثقافية والجامعية التي تسمح وحدها بازدهار هذا الوعي.
عودة المثقفين العراقيين من منافيهم إلى بلدهم تشكل بالنسبة لي نوعا من النوستالجيا الحاسمة التي سارعوا هم أنفسهم إلى اكتشاف عطبها، لأن المكان والذاكرة اللذين تركوهما ليسا كما ظنوا. لقد زاروا المكان وسارعوا بالعودة إلى منافيهم. لكن الجوهري في الأمر هو أن اللحظة الملتبسة، المضطرمة اليوم في البلد لا يمكنها منح الثقافة دوراً فعلياً. الأدوار التي أحلم بها للمثقفين ولنفسي غير متوافرة في هذه اللحظة.
المتتبع لمسارك الشعري يلاحظ انك تحاول من كتاب الى آخر، البحث عن تجربة جديدة، مختلفة عن سابقتها. ما معنى هذا البحث عن مناخات جديدة وطرق تعبير مختلفة في كل مرة؟
 التنقل على المساحة الواسعة التي يتيحها الشعر هو مسعى كل شاعر جاد. (التجريبية) بهذا المعنى هي استثمار لخيرة الإمكانيات التي تضعها اللغة والتجربة الإنسانية تحت تصرف الشاعر. ثمة فارق بين اللعب الشكلاني والتجريبية بالمعنى أعلاه. ثمة مشكلة في الشعر العربي الحديث تقع في أن البعض قد فهم الحداثة بوصفها انحداراً بالشعر إلى مستوى الجهل بدلالات اللغة وانهماكاً بألاعيب الكتابة، وهو ما لا يبرهن عليه، على الأقل، شعراء مثل أوكتافيو باث وإليوت وسان جون بيرس وبدر شاكر السياب وماتشادو وإيليتس ورينيه شار ورتسوس من بين آخرين. المشكلة الأصلية تقع في صلب عقل ميال إلى تأبيد المنجز الجمالي إلى درجة تصنيمه، لكي يصير (الشعر الحديث) عموداً نهائياً لا يتوجب الخروج على مناخاته وأساليبه ولغته الموحدة، ثم تصير (قصيدة النثر) عموداً آخر مقدساً لا ينبغي المساس به، خاصة المساس بما هو هش فيه. إن اختلاق أنظمة و(أنساق نهائية) للشعر يبدو لي مشكلة المشاكل في الوعي النقدي والشعري، ولا أرى نفسي ميالاً إلى الطريقة المطروحة بها في ثقافتنا.
هكذا فإن معنى بحثي عن مناخات جديدة هو اعتراض على استبداد حداثة يتكلم الجميع باسمها من دون البرهنة على الجذري فيها وهو: إمكانيتها على توليد مناخ جديد، مقلق لكل أصل ثابت ونهائي. أليست الحداثة تقليباً وتأثيثاً مستمراً للذائقة وطرداً لما يصير نمطاً جاهزاً؟ يبرهن البعض على وعي محافظ في نهاية المطاف حتى لو تعلق الأمر بالحداثة نفسها التي ترفض مبدئياً فكرة احتضان منجز ثابت. كتابة الشعر هي قلق مستمر وتقليب للعناصر التي تتيحها الاستعارة وما يشابهها والمجازات وما يجاورها، بحثاً عن معنى.
قصيدة النثر المقفاة
اقترحت مع مجموعتك <<الحجر الصقلي>>، قصيدة النثر المقفاة. وقد تراوحت ردود الفعل حول دعوتك هذه. لماذا كانت هذه الدعوة؟ هل تجد أن ذلك <<سيحسن>> في شروط كتابة القصيدة الراهنة؟
 ردود الفعل كانت، بالطبع، مناهضة تماماً لهذه التجربة. لا يتعلق الأمر بدعوة قدر ما يتعلق بالتذكير بأن جميع العناصر الشعرية محايدة موضوعياً، ولا يمكن تأويلها خارج النص. الوزن الخليلي، مجرداً وتجريدياً، محايدٌ ولا يحيلنا إلى الجودة أو الضعف الشعري، لا إلى المحافظة ولا إلى الحداثة. القافية كذلك محايدة من الناحية الموضوعية، ولا تدل لا على التجديد ولا على التقليد. ينبغي رؤية كيف تشتغل العناصر المتاحة للشاعر في قصيدته. النص هو حقل برهانه الأساسي. لقد استخدم رينيه شار مثلاً جميع ما تتيحه له إمكانيات الشعر الفرنسي العريقة، الرباعيات، قصيدة النثر، القوافي المزدوجة، الشعر الحكمي، النثر الصافي.. إلخ، في بناء نص حديث. ولم يكن يطرأ على بال أحد أن يرمي في وجهه تهمة استخدام القافية. في وعينا النقدي شبه الحداثوي تصير العناصر المعزولة والمجردة ذات دلالات خطيرة وإشارات خفية ترقى إلى مصاف التهم الموجهة إلى وعي الشاعر. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن قصيدة النثر لا تمتلك، حسب علمي، أية قداسة. وإن طبعتها الفرنسية لا ينبغي أن تُستنسخ حرفياً في ثقافة عربية قد تمتلك ما تقول بهذا الصدد. إن النقد الموجه (لقصيدة نثر بقافية) التي حاولتها يستهدي، حرفاً بحرف، بشروط كتابة قصيدة نثر طالعة في شرط ثقافي أوروبي ذي ذائقة وطرق قول وتنغيمات مغايرة للكلام العربي. الحداثة بهذا المعنى تصير استنساخاً لا حول ولا قوة له، ليس في الحقل الشعري العربي وإنما كذلك في المجال التشكيلي. يتوجب التذكير بأن تجربتي (بقصيدة نثر بقافية) قد طلعت متأرجحة بين العفوية والوعي النقدي، الحاضر رغم كل شيء أثناء الكتابة. لا أظن أن الغنائية هي مفهومة شكلية فحسب تعبر عنها الأوزان والقوافي، إنها كذلك وعي بالعالم، ولا أعتقد أن الحداثة نقيض للغنائية بمعناها العميق. النص هو الأساسي.
منذ فترة، وأنت تتطرق في كتاباتك النقدية، إلى الوضع <<البائس>> الذي وصل إليه الشعر راهنا. هل تعتقد أن الحداثة العربية الشعرية، قد أساءت أكثر مما أتاحت لها آفاقا أوسع؟ كيف تنظر إلى الشعر العربي الراهن؟
 لا يتناطح عنزان، كما يقول أسلافنا، بأن ثمة وضعاً محرجاً وصلت إليه القصيدة الرائجة. وفي يقيني فإن الأمر يتمحور حول ارتجاج المفهومة العربية للحداثة الشعرية وعدم توطنها، عميقاً، في الضمير الثقافي. نلاحظ هنا عمق الهوة بين النخب الحداثوية (أو التي تزعم التمسك بعرى حداثة ما) والتيارات الرائجة اجتماعياً، أعني الأصوليات الدينية. ما الذي حدث لكي لا تفعل الحداثة العربية المأمولة فعلة ثابتة وتأسيسية ولكي تتراجع بهذا الشكل الفظيع؟ لو أن الثقافة العربية امتلكت منذ البدء، وتمسكت بوعي جديد للعالم لما وصلت اندفاعة الأصولية إلى أمدائها الحالية، ولما كانت اندفاعة الركاكة في قصيدة النثر قد استأثرت بالمشهد الشعري كما تفعل اليوم. إن قصيدة النثر، المكتوبة على نطاق واسع تشابه قليلاً وكثيراً الشعر المترجم على يد من لا يتقنون اللغتين، وإن قصيدةً ترتكز فحسب على المجازات الجاهزة والأنماط تصير كما يمكن للعين الثاقبة أن تلاحظ عموداً جديداً كما قلت قبل قليل.
تنوعت اهتماماتك الكتابية، من البحث إلى القصيدة، الى الترجمة، كذلك اهتمامك بعلم الجماليات، أين أنت من ذلك كله؟ ما الكتابة عند شاكر لعيبي؟
 قراءاتي وحدود خبرتي تموضع الشاعر في تخوم ثقافة رفيعة المستوى وتضعه في صلب (المعرفة)، وليس في فضاء الإشراقات وحدها. للتو كنت أتحدث عن شاعر من طراز أوكتافيو باث وآخر مثل إليوت، ولن أنسى عرضاً كاتباً فذاً مثل بورخيس، حيث تنوع الخبرات واتساع المعرفة الأنسكلوبيدية وامتلاك الأدوات المنهجية، تشكل كلها إضافات صلبة لحواسهم الشعرية. هنا مشكلة أخرى هي أن الشاعر يقع لدينا في وادي الإلهامات وحده. هذا وهم تاريخي، لا يبرهن عليه لا مثقف أساسي مثل المتنبي ولا فيلسوف مثل المعري ولا حتى خيارات أبي تمام الشعرية التي تنم عن حذاقة وحاسة نقدية طالعة من قراءات موسعة. سأمر على ناقد تشكيلي مثل بودلير وأتوقف عند خيرة الشعراء والشعراء الفرنسيين الحاليين الذين يبرهنون، مثل بودلير، على بحث علمي منهجي في الجامعات والمعاهد العليا يدعم نصوصهم الشعرية. أدونيس مثال آخر. الكتابة الشعرية بالنسبة لي هي النص الصافي، القصيدة وقد اغترفت من منابع المعرفة والترجمة والجماليات والبحث، متبقية على الدوام في طهارة عصية على الوصف. طهارة ليست من طراز ديني ولا من طبع رومانسي.
تتحدث كثيرا عن الاختلاف وعن الرأي والرأي الآخر، هل تجد أن الثقافة العربية تستطيع حقا ان تتقبل مثل هذه الطروحات؟
 أظن أن علينا تعميق فكرة الاختلاف حتى لو بأثمان باهظة. الانحناء للآخر قليلاً ومنحه منصة، هو فعل كرم بديهي. لقد شهدنا طيلة قرون ذاتاً متضخمة نظر الأعمى إلى أدبها واختصم الخلق جراها، وقرأنا <<هذا هو اسمي>> وقرأنا عناد الذات البدوي:
فإن يُتْهموا أُنجِدْ خلافاً عليهمُ وإن يُعْمنِوا مستحقبي الحرب أعرِق
علينا الآن، قليلاً، أن نقرأ أسماء الآخر، أن ندخل في تجربة الحي الشامل Le Vivant. في تنوعها وثرائها. عدم قبول الرأي الآخر يجيء من عدم القدرة على قراءة الحي ذاك، الحاضر رغم كل شيء.