شاكر لعيبي
الشاعر العراقي شاكر لعيبي: أذهب لمصالحة النثر مع الموسيقى في " قصيدة النثر المقفاة "
- صور : شاكر لعيبي
- تصوير طارق سليم
- حوار : غازي الذيبة
- الوطن القطرية، على حلقتين بتاريخ الثلاثاء 12 فبراير 2002
- والاربعاء 13 فبراير 2002
يمتلك الحوار مع الشاعر العراقي شاكر لعيبي ، مساحة ود عالية ، يقترب فيها كثيرا من انهماماته الإبداعية ، وكأنه كرس ما تبقى له من حيوات في هذه المنطقة شاعرا وباحثا ، لكن الشعر يأخذ قدرا ضافيا من حديثه ، كما سنجد عبر هذا الحوار الذي سجلت أسئلته بعد إدراك لأهمية الحوار مع شاعر ، تنقل فوق أرض السعر مجربا وباحثا ومنقبا ، ولعل مشروع " قصيدة نثر مقفاه " الذي أنجز فيه مجموعة شعرية \، يتخذ بعدا جديدا في منحى قراءة تجربته ، قريبا من نظرته التي ظلت تمضي باتجاه قراءة مختلفة لقصيدة النثر العربية وتنقلاته النظرية فيها
وشاكر لعيبي ، كما يقول التعريف به على شبكة الانترنت في صفحته : شاعر وباحث متخصص بالفن الإسلامي ، ولد بين نخيل الرافدين في القرن الماضي ، وعاش في بغداد . أنهى دراسته في الجامعة المستنصرية ، ثم تنقل منفيا بين بيروت وقبرص وعدن ودمشق وجنيف ( التي يقيم فيها حاليا ) ، ودرس الرسم والنحت في المدرسة العليا للفنون البصرية ، وتخصص بعد دراسة معمقة لعلم الاجتماع في الفن الإسلامي ، منجزا بحث الدكتوراه في الدلالات الاجتماعية لتوقيعات الفنانين في الفن الإسلامي ، وأسس مركز التوثيق السويسري العربي ، وتمت ترجمة أعماله الى الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والبولندية
أصدر في الشعر المجاميع التالية : " أصابع الحجر " بغداد 1976و" نص النصوص الثلاثة" بيروت ـ دار العودة 1982و" استغاثات "دمشق 1984و" بلاغة " نص وعشرون تخطيطا جنيف 1988و" كيف " بيروت 1997ثم " الحجر الصقيلي " بيروت 2001 ، وهي مجموعة شعرية مختلفة ، احتوت نوعا جديدا ومبتكرا من الكتابة الشعرية في قصيدة النثر تحديدا ، هو" قصيدة النثر المقفاة "
وفي الترجمة له : " هنري ميللر 1986و" له المجد " للشاعر اليوناني إيليتس ـ البحرين 1992ومشاطرة شكلية للشاعر الفرنسي رينيه شار ـ الإمارات 1995، ومازا لديه العديد من الأعمال المترجمة التي تنتظرا لنشر ، وفي الدراسات له " الشرق المؤنث " قبرص 1992، و" بيان من أجل قصيدة النثر ـ جنيف 1995
هنا في هذا الحوار ، أجول في عالم الشاعر شاكر لعيبي ، محاولا قراءة نظرته للقصيدة العربية الجديدة ، وبالذات القصيدة التي أنجزها أبناء السبعينيات من الشعراء العراقيين ، وما انطوت عليه تجربتهم ومغامرتهم في تطوير الكتابية الشعرية في العراق
*: كيف لنا أن نقرأ جغرافيا البدايات في تجربتك الشعرية شاكر لعيبي ، حين شغفته الكتابة في أول لحظة وجد ، وحين لمسته النار فمسته بأرقها ، وأخذته الى حديقة الشعر ؟
** يبدأ المرء عندما يحس بحاجة ضرورية للكتابة ، كان ذلك بداية السبعينيات في بغداد عندما وجدت نفسي متورطا بالشعر ، ولما أبلغ العشرينات بعد من عمري ، يومها شعرت " بالأريحية "ـ كما يقول الجاحظ ـ لسماع هذا التوتر الداخلي الذي ينفجر فيك عندما تسمع قصيدة جميلة ، كان العراق في تلك السنوات يشهد هدوءا مخادعا على الصعيد الاجتماعي ، لكنه هدوء يقود الشعر الى مناطقه . أتذكر أن " ثانوية قتيبة للبنين " التي تلقيت فيها تعليمي ، كانت مختبرا أوليا لثلة ممن سيصير بعضهم جيلي ، وأتذكر أن متنزهات أبي نواس ستصير موطنا للقاءات شعرية وقصصية لبعض من أهم أصوات هذا الجيل . لقد طلعنا من المدن الشعبية :" مدينة الثورة " و" بغداد الجديدة " الضاربتين في ميثولوجيا الجنوب العراقي ، ومن ذلك الهدوء السياسي المراوغ الذي سيقسم البلد ويشطره ، وللأسف ، دون ذرة من الرحمة . في بداياتنا كنا نكتب قصائد حب ، وقصائد " للعصافير الملوثة المناقير بتراب الوطن " ، كنا " نلهو مع الهواء المتغلغل بقمصاننا " ولكننا وعينا فجأة أن ثمة مسارات أخرى كانت تشق طريقها في ثنايا الثقافة العراقية ، وأنها قد وصلت الى الشعر نفسه في نهاية المطاف .. مسارات كانت متجهمة وليست منذ ذات الطبيعة الحلمية البريئة واللصيقة بكل بداية . عندما كتبت مجموعتي الأولى " أصابع الحجر " عام 1986كان الحلم ـ ولا أحب بالضرورة رومانسية هذه المفردة ـ قد بدأ يعاني شروخا قادمة من تغلغل " اللاشعري " في " الشعري " ، سوى أن المجموعة تحتفظ بنيل البدايات وبداهتها ، وسوف أدخلها في أعمالي الكاملة بعد مماتي (! ) لم أكن مقلدا على ما يبدو لأي من الشعراء الذين كانوا يتسيدون المشهد الشعري العراقي أوفي العالم العربي ، ولقد مرت المجموعة مرور الكرام بسبب نبرة ، لا أدري كيف أصفها ، ستصير نبرتي ، الأمر الذي جعل غالبية الوسط يرتاب من رنين عناوين فيها من قبيل " قصيدة الى اللون الأصفر " أو قصيدة " كتاب الأنهار " الذي أعدد فيها منذ تلك السنة 1976أغلب أنهار العالم المشهورة وغير المشهورة ، ومجموعة أخرى من النصوص تبتدئ عناوينها ب" قصيدة الى .. " ، على أنني يجب أن أقول وللأمانة التاريخية أن أخي الشاعر هاشم شفيق هو الوحيد الذي توقف أمام المجموعة بجدية بالغة ، كاتبا عنها مقالة مطولة في إحدى الصحف البغدادية ، وأرجو ألا أكون قد خيبت ظنه اليوم . تلك المجموعة لم تقرأ كما يجدر بمجموعة لشاب في العشرين أن تقرأ . كان الزمن .. زمن سياسة
*الانتقال من القصيدة الموزونة الى قصيدة النثر ، متى تم عندك ؟ بمعنى آخر ، الى أين كنت تريد المضي وأنت تترك القصيدة الموزونة بعد مجموعة ونصف المجموعة في عالمها ؟
** عندما وصلت الى بيروت سنة 1980 ، كنت أكتب القصيدة الموزونة بعد ، وكنت قد كتبت في بغداد قصائد رثائية تهجس ـ ربما ـ بما سيحدث : لأنني كنت أنظر الى المشهد بعين مخبول على ما يبدو ، هذه العين التي تضيء ما لا يريد المبصرون العاقلون رؤيته ، تلك القصائد تحمل عناوين " رثاء أور " ، ففي بغداد لم يكن على المرء أن يبوح ما بنفسه ، ويتوجب عليه أن يرّمز روحه . من " رثاء أور " هنالك ثلاثة نصوص طويلة موزونة في مجموعتي التي أصدرتها في بيروت سنة 1982 والتي تحمل عنوان " نص النصوص الثلاثة " الصادرة يومها عن تلك الدار التي كان الجميع يحلم بالطباعة لديها : دار العودة ، واحتوت على نص طويل ممتد بالعنوان نفسه الذي حملته المجموعة ، كان نصا نثريا مكتوبا سنة 1981. هذا النص غير ، منذ تلك السنة بالضبط مجرى الكتابة عندي ، وأنا كنت أتجه بقناعة كاملة الى ما نسميه اليوم " قصيدة النثر " . في النثر كنت أود المضي لإمساك العصي : ألا وهو جوهر الشعري.. روحه .. خلاصته .. أثيريته ..كثافته ، وهي كلها تسمية أخرى " للاستعارة " التي أرى من جهة أخرى أنها خلاصة " للشعرية "
تسمح قصيدة النثر إذن أن نذهب ، أو أن نحاول الذهاب الى ذلك المكان الذي يسمى الشعر ، ذلك الواقف من دون زوائد أو كماليات أو تزاويق لفظية أو وزنية ، أي دون الشكلاني ، سوى أن ترك القصيدة الموزونة لم يجر لدي من يومها ، بسبب وجود خلل عضوي قاهر في طبيعة الأوزان التي تعوق كما يزعم البعض الشعر ، بالتفتق والازدهار ، وليس لأن النثر أكثر طواعية على استجلاب ذلك الروح الأثيري الشعري ، لكن بسبب أن قصيدة النثر يمكنها أن تطوي بضربة واحدة ، ما يعوق الشاعر عن التعبير عن كينونته ، ويظل له فيما بعد أن ينوع على المعطيات التي تضعها اللغة وتاريخ الأشكال تحت تصرفه ،كلها دون استثناء
إن قصيدة النثر ليست حقلا للتجريب حسب ، لأنها يجب أن تطوي في حقلها المغناطيسي تاريخ الشعر العربي ، والشعرية العربية والعالمية التي هي ، كلها ، ليست بتناقض وجودي لازب ـ ولنشدد على الباء ـ مع الأشكال والممارسات الشعرية التي أثبتت فاعلية وضرورة في مقام القول الشعري فأية قولة تقفز على هذه البداهة لا يمكنها أن تصمد أمام تاريخ الأشكال الأدبية ومنطقها الواضح جدا
* التحولات التي أخذتك الى مدنها في الكتابة الشعرية ، بعد ثماني مجموعات ، هل ما زالت تأخذك الى مدنها ؟ تبعثرك وتعيد تشكيلك ؟ تصوغك كما لو أنك تستعيد أشياءك مرة أخرى ؟
** لنقل التالي في مقام هذا السؤال : إن الشاعر هو كائن في طور التحول المستمر ، مثله مثل الكائن الحي ، شاعرا كان أم غير شاعر ، وأنا لا أتكلم عن الأموات في هذه الجملة . بالنسبة لي فإن الشاعر ـ وهذا والله ليس ضربا من التحذلق ــ هو حلول مستمر بالوجود ، بوجود ملموس ، ولكنه فواح بالطهارة وما يجاورها ، ومحدود بالجغرافيا وقافز بهلواني عليها ، ومشدود للأرض أمه ، وجاحد لها . إنه حركة تحتضن العالم بجميع حركاته وعناصره : الطيبة منها والفاسدة ، والشاعر هو طفل العالم الرهيب ، ولا يوجد إلا مثالان في تقديري ، واضحين في التاريخ الشعري لهذه الطفولة : طرفة بن العبد ورامبو ، ولشدة طغيانهما وتجسيدهما لهذه الفكرة لم يعودا أبوين روحيين لي ، غير أن الفكرة نفسها ما زالت صالحة الى حين
وكما لو أن في سؤالك إشارة الى التوقف عن النمو العضوي في العالم والشعري في الكتابة ، فإنني أقول إن الكثير من المعنيين بالشعر قد توقفوا عن قراءة الشعر وقراءتنا ، لابثين في ذات المراصد العتيقة ، وفي ذات المقولات والتقديرات النقدية عن الشعراء مجايليهم . لا أحد يقرأ أحد في الغالب ، وهنا تقع المشكلة التي لا أستطيع عبرها الإجابة على هذا السؤال
*أنت من سبعينيي القرن العشرين في الشعر العراقي ، كنت ومجايليك تشكلون فاصلة بين زمنيين : الرواد والشباب ، والذين سيشكلون لا حقا نقطة تحول في الشعرية العراقية تحديدا والعربية عموما ، كيف تشاهد جيلك من هذا المرتفع التقسيمي ، وكيف يشاهدكم الشباب ؟
** اكتشفت منذ بعض الوقت أننا نشكل مثالا " غير نموذجي البتة " للشعراء الأصغر سنا منا في الأردن والعراق ، ومرات قليلة في لبنان بشكل خاص ، لقد فاجأني هذا الأمر ، بسبب أننا لم نكن في واجهة الضوء ، وكنا في عتمة المنفى ، وقد شكلت الفترة السبعينية وليس ما يسمى بجيل السبعينيات ـإنني أرفض التقسيم العشري بإصرار ـ مرحلة جذرية في تغير العالم العربي ثقافيا وإنسانيا وسياسيا وشعريا ، لأسباب لم أتوقف عن تعدادها : الحرب الأهلية في اللبنانية وحرب أيلول في الأردن وذهاب السادات لمصافحة الإسرائيليين وصعود حزبين قوميين في العراق وسوريا والطفرة البترودولارية وانحطاط المنظومة الاشتراكية الواضح وصعود الأصوليات الدينية وتوقف العالم العربي عن النمو وانحساره الروحاني ... الخ . انها مرحلة هامة وخطيرة وقد ألقت بظلالها على الكتابة الشعرية ، وهنا فإننا نشكل انشطارا بين الرواد وبين جميع التيارات الأخرى النضرة الموجودة في أجواء التغيرات التي عددتها للتو ، وما بين هذا وذاك لا يتبقى سوى أكذوبة الستينيين التي نسعى جميعا اليوم لكشفها
انني أتكلم باسمي ، وأرى أننا نمثل المرحلة التي كان من الواجب أن تتصالح فيها تيارات الشعر على أساس" كمية " الشعر الموجودة في حقبة ، لدى شاعر أو عند مجموعة من الشعراء أو في مجموعة شعرية مخصوصة ، وليس أبدا على أساس تقسيم متوهم لأجيال العالم ، وتشطير أهوج للكائنات الشاعرة وفق سنوات عشر أو أكثر من ذلك قليلا أو أقل منه قليلا
لم تقم نقطة " التحول " في الشعرية العراقية والعربية لدى الشباب على الكثير من الدلائل بعد عليها ، ونحن أنفسنا لم نقم البراهين على أهمية شعريتنا ، نحن الشباب كذلك ، بسبب وطأة غيا ب القراءة للشعر الحديث وانحساره لصالح الصورة ، وبسبب التشتت الدرامي للشعر العربي ، منفيا أو مقموعا أو صامتا برضى ، وبسبب الوهم المستمر بسيادة فكرة " التجاوز " المطلقة : كل لاحق يتجاوز بالضرورة السابق ، وهذا هو عين الوهم
إن تعريفا لمفردتي الشيخوخة والشبيبة ، يبدو وكأنه أمر حاسم الآن ، ويبدو وكأنه واحدة من طرفات العقل العربي غير القادر على تحديد البسيط من المفاهيم ، ومثل هذا التعريف ضروري في معرفة الفاصلة الحقيقية بين جيل الرواد وجيلنا ، ومن ثم جيلنا ومن تسميهم بالشباب . يا لحماقتي ، انني أتصور نفسي من جيل الشباب ، وما زلت أرى الى جيلي بصفته شابا دائما في القصيدة العربية ، مثلما يمكن أن يرى محمود درويش أو محمد الماغوط أو سعدي يوسف جيلهم بالصفة نفسها ، وبمعنى آخر ، فما دمنا نبدع في الفسحة المتهيئة لنا في العالم ، وما دمنا أحياء بعد ، فأظن أننا جميعا نساهم بتجديد شباب العالم
إنني شخصيا ، وبالمعنى الحرفي للكلمة ، ملتصق بأرومة الأجيال الأصغر مني سنا رغما عني ، وهو ما ستشهد عليه مراسلاتي ومكاتباتي معها ، وقبل ذلك قراءتنا المتبادلة وفهمنا لبعضنا ، وربما سأتبقى مراهقا أزليا في الشعر العربي حسب الاستنتاج الذي يمكن أن يطلع به المرء من فحوى التقسيم العشري ، وألاحظ هنا أن هذا التقسيم ما زال ثابتا وملحا في بلدين عربيين بشكل خاص ، هما مصر والعراق ، الأمر الذي يدل على وطأة القيم الاجتماعية الموروثة ، وقدرة فكرة العائلة " العيلة " على إنتاج نفسها ، فمازالت هي الأقوى في هذين البلدين العريقين
*مر الشعر العراقي بمخاضات بدلت وغيرت في مساراته ، لكن ذلك كله شكل تراكما أضاء تجربته الشعرية وأضاف إليها بحيث بدت متقدمة على حركات شعرية وعربية أخرى ، كانت تدعي الريادة ، ترى ما الذي يمكننا أن نقرأه في تضاريس هذه المخاضات ، بعد جيل الرواد الذي أنجب السياب والبياتي والملائكة والحيدري والذي تلاه ، ثم جيلكم ؟
** بعد جيل الرواد التأسيسي ، المهم والجذري في حركة تطور الشعر العربي كله ، يمكن أن نقرأ ما يسمى بالمرحلة الستيينية ، وهي فترة يتوجب التوقف أمامها مليا بسبب ثقلها السلبي من الناحية الأخلاقية ، والإيجابي من ناحية التعرف على النتاج الشعري الحقيقي فيها وفيما تلاها ، فقد خوّض الستينيون بادعاءات لا حدود لها ، وأتقنوا استخدام مفردة ( التمرد ) على خير وجه ، على أن الزمن لم يثبت تمردا جذريا في الشعرية والسلوكية في الشعر العراقي مثلما زعموا ، بل أثبت أن ثمة الكثير من الباهت والشكلاني في شعرهم ، من جهة ، وبرهن من جهة أخرى على أن الكثير منهم يتقنون المصالحات ، على أن مرحلة مهمة جدا في تقديري قد انبعثت في العراق الشعري بعد الستينيات مباشرة ، وما زالت تلقي بظلالها على المشهد ، إذ ابتدأ جيلي الذي لم يستخدم " القطيعة " الستينية مع الأجيال الأخرى ، ولكنها تشبثت بمفهومة " الاستمرارية " , وبدلا من هجر " الغنائية " فقد ذهب الى " تطويرها " ، وبدلا من " الأشكال " الخمسينية الجامدة ، قام "بتجريب " واسع النطاق غير تلك التجريبية الستينية الباهتة ، لكن التي تمتلك فضيلة الحضور المبكر
هذا ما يمكن أن نقرأه لدى شعراء مثل هاشم شفيق وخليل الأسدي وزاهر الجيزاني ورعد عبد القادر وغيلان وآدم حاتم وفاروق يوسف وغيرهم الكثير ممن درستهم في كتابي المكرس لهذه الفترة السبعينية وعنوانه " الشاعر الغريب في المكان الغريب " ، وفي تقديري الشخصي فإننا يمكن ان نقرأ في الشعر العراقي ، بدءا من هذه الفترة بالضبط شعرين أثنين : شعر مكتوب بأجواء المنفى ، وشعر مكتوب بأجواء رهاب الحرب ، ولقد أنعش الأول تيارا قويا من "شعرية " مفتوحة الأبواب على كل ما يمكن أن يدعم النص ، وما يمكن أن يثري القصيدة الصافية بعيدا عن كل أحبولة سياسية أو معنوية أو أيديولوجية ، في حين أن الثاني قد أثقل وطأته النفسية بأجواء كابوسية ، فيها الكثير من " الشعر الأسود " الصافي ، إذا سمح لي باستخدام هذه الاستعارة ، مقابل الشعر الدعائي للماكينة الحربية غير الصافي على الإطلاق
* أطلقت بيانا عنوانه " بيان من أجل قصيدة النثر" ، ألا ترى أن هذا المركب قد ثقب كثيرا ، وأن البيانات الشعرية العربية ، لم تكن محمولة بقوة الطموح الذي أطلقها ؟
** ما أطلقته كان بيانا بلغة منطقية وتاريخية تحت عنوان " بيان من أجل قصيدة النثر " ، وفيه يتوجب مواجهة النقاط التي يثيرها قبل إطلاق أفكار بشأنه . نشر البيان في المجلة المصرية " أدب ونقد " كاملا ، ثم نشر في كراس منفصل ، وأثار تعليقات جدية محدودة النطاق ، وما يظن بشأن هذا البيان الذي ينشره موقع قاسم حداد "جهات الشعر " بشكل دائم ، لا يتواصل مع معاني البيان نفسه ، فهو بيان يطرح لكنة عالية من المودة بشأن القضايا المعالجة ، انه ليس الى جانب القطيعة ، لكنه الى جانب التجاور .
زمنيا فإن هذا البيان كتب سنة 1993 ولم ينشر إلا في نهاية سنة 1994 ، أي قبل اشتداد حمى الحديث عن قصيدة النثر ، ولم يكن قد ركب ما تسميه بـ " المركب المثقوب " وهو مثقوب الآن فحسب ، بسبب تراكم السجالات والادعاءات بشأن قصيدة النثر
على أنني أضع تساؤلك المشروع هذا في نطاق آخر ، وأراه بسياق " طريقة القراءة " السائدة اليوم في عالمنا الثقافي العربي ، التي لا تقرأ بتمعن قدر ما تمر مرور الكرام على الكلام المطبوع ، ففي ذلك البيان لم يكن هنالك من طموح البتة سوى طموح المعرفة وتوثيق الرأي من أجل دفع حضور قصيدة النثر النهائي في تاريخ الشعر العربي المعاصر، ما عدا ذلك فلا حق لي بالحديث عن جميع " البيانات الشعرية " في العالم العربي ، ولو أنني أظل أعتقد بأن البعض منها يمتلك المشروعية الكاملة ، والبعض الآخر سجل فعلا كبيرا في تغيير نمط الكتابة لدى أجيال شابة في الشعر العربي
*تذهب في اكتشافاتك الشعرية الى حدود تحاول التوفيق فيها بين مسافات الشعر العربي ، وأعني ، ذهابك الى " قصيدة النثر المقفاة " التي كتب عنها بعض النقاد أنها " مسجلة باسمك " ؟ كيف يمكن لنا أن نتلقف ضوء هذا الاكتشاف منك ، وما هو مصدره ؟
** إن مسعاي بكتابة " قصيدة نثر مقفاة " قد طلع بالانسجام الكامل مع سياق عملي الشعري ، فأنا أرى أن" الحداثة " المزعومة التي لا يكف الجميع بالتحدث عنها ، لا تقف بالضرورة متعارضة مع الأصول أو ـ على الأقل ـ مع جميع الأصول الشعرية المألوفة المعروفة . لم يكن الأمر يتعلق بقرار براني لكتابة " قصيد نثر بقافية " قدر ما طلع عفو الخاطر ، لكي أكتشف بأنني ـ وهذه نقطة واعية سبق وأن تحدثت عنها قبل هذه التجربة ـ كنت أذهب لمصالحة ـ وليس للتصالح المنفعي كما قد يفهم البعض ــ النثر مع الموسيقى . نظريا كنت واعيا لهذا الأمر ولو على نحو أقل وضوحا في " بيان من أجل قصيد النثر " سنة 1994 ، وعمليا فقد وجدت نفسي أنساق بطواعية لإدراج موسيقى ما .. موسيقى تكشف لي بأنها تتجلى في النص عبر قافية صداحة سنة 1999.
لأحدد التالي لكي أزيل كل لبس : إنني مع حرية الشاعر المطلقة في عمله ، وإن عمل الشاعر الحقيقي هو استجلاب الشعر عبر " الاستعارة " المحكمة ولا يهم بعدئذ أي من العناصر يستخدم في الحلول بقلب هذه " الشعرية " كما نقول اليوم أو الشاعرية كما كان يقال بالأمس ، فالوزن والقافية لم يكن بإمكانهما خلق شاعر من طراز المتنبي ، ولن يكون انعدامهما أو انعدام واحد منهما كفيلا بخلق الشعر الصافي ، على أن الأمر يتعلق بالنسبة لي ، وبشكل لا إرادي في الغالب ، بنظرية الجفاف المطبق الذي يضرب أسوأ نماذج قصيدة النثر ، وهي كثيرة اليوم
هذا المسعى من البراءة والبساطة بمكان كبير ، لكنه أنتج كما لاحظت ، نصا آخر داخل نصي ، إنني أتشبث للنهاية بحرية القول في الشعر ، وبالنثر يقينا ، أما إذا قادك استخدامك قصيدة النثر نفسها الى مواطن أخرى مختلفة ، فهذا أمر لا أرفضه البتة ، وهو ما قد حدث في نصي على وجه الدقة
ولا مصدر للتسمية إلا اجتهادي في الحقيقة ، فهذه التسمية جديدة على الشعر العربي الحديث ، لكن هنالك تسميات أخرى في اللغات الأوروبية من أجل وصف أنواع من القصيدة غير الموزونة ، وهي تعاود استخدام التقنيات الكلاسيكية ولا علاقة لها كلها بطريقة اشتغال الشعر العربي ومصطلحاته
*قصيدة نثر مقفاة .. ألا تجد أنك تذهب الى منطقة حالمة جدا ، تنهم بالتصالح مع القصيدة العربية التقليدية ، وفي الوقت نفسه ، تصعّد من التساؤل حول التسمية ومقتضياتها التي تقترب من الوزن في الشعر والسجع في النثر ؟
** كنت أتكلم قبل قليل عن " التقنيات " ، وأظن أن للشاعر الحق باستخدام جميع التقنيات التي تتيح له الوصول الى هدفه ، أي كتابة "نص شعري " متماسك ومقتع ويحترم هواجسه الداخلية . ولا يتعلق الأمر بتصالح أساليب ، ولغرض آخر غير الغرض الشعري .. حسنا ، ما هو الخلل في التصالح مع القصيدة العربية التقليدية ؟ هذا السؤال يظل من طبيعة شكلانية ، إذا لم تقرأ نصوصي بطريقة غير شكلانية . انني ما أزال محتفظا على لغتي المعروفة منذ " نص النصوص الثلاثة " سنة 1982، وما تغير هو قدرتي في المضي بها نحو مجاهيل جديدة من أجل العثور على النبع الشعري ، ولم أغير إلا من طبيعة أدواتي التي هي بالطبع ليست محايدة ، فأي عنصر خارجي " مثل الوزن والقافية والمحسنات البديعية .. " لا قيمة له إذا لم نر كيف يعمل في سياق النص داخل القصيدة
وهنا يتوجب القول أن النقاد العرب القدامى كانوا يستخدمون تسمية القافية للكلمات ذات الروي الموحد ، في القصيدة الموزونة التقليدية وفي النص النثري العادي كانوا يطلقون على مصطلح السجع
هذه النقطة مهمة جدا في التعرف على مسعاي الجديد في كتابة "قصيدة نثر بقافية " ، لأنني في قلب بداهة أدبية ونقدية ، ولم أفعل على ما يبدو سوى تطبيقها في نصي الشعري ، فهل صار نصي محض سجع تقليدي ؟ سؤال شكلاني مر ة أخرى ، لأنه لن يرى الى طبيعة اللغة الشعرية الحديثة ، والتي أريد لها أن تكون مطلقة الحداثة ، فأنا أستخدمها منذ أكثر من ربع قرن من الزمن ، ويتعلق الأمر بلغة ذات "استعارة " معاصرة لا علاقة البتة لها بأساليب السجع واستطراداته المملة ، المدوزنة بطريقة رتيبة ، ويتعلق الأمر في نهاية المطاف ، باستقدام واستضافة الموسيقى الغائبة ، وإذا ما استعرت منك يا صديقي الشاعر غازي الذيبة عنوان مجموعتك " حافة الموسيقى " ، فسأقول ماذا يتوجب علينا للوقوف على حافة الموسيقى ؟ إنني أشكرك جدا على هذا العنوان الذي يضيء من الداخل فكرتي عن الموسيقى . لا أود الوقوف لأسباب روحانية على حوافها وأود الخوض فيها ، ولا أجد ضيرا من استخدام القافية لهذا الغرض في نص غير موزون .
*أنت باحث في الفنون الإسلامية .. ثمة حالة من غياب الانهمام بهذه الفنون إسلاميا ، الى ماذا تعزي ذلك ؟
** يعزى ذلك الى غياب المتخصصين في الفن الإسلامي ، ومثلما ترك حقل الاستشراق لدراسات الباحثين الغربيين فترة طويلة ، بسبب غياب وعي العالم العربي والإسلامي ،فإن هذا الحقل متروك لهم اليوم ، لكي يعاودوا فيه قول بداهات الاستشراق القديمة التي وجه لها نقد جذري من طرف أكثر من باحث عربي ومسلم
إن عدم الاهتمام بالفنون الإسلامية يعود الى عدم تقدير ضارب الإطناب لأهمية قطعة نحاسية مملوكية مثلا واعتبارها ضربا عاديا من الطرق على النحاس ، وهو يعزى الى عدم تفهم " جماليات " فنون الماضي الإسلامي التي تمتلك ألقا وإثارة ، هي نفسها ما يدفع اليوم المزيد من الباحثين الأوروبيين والأميركيين لدراستها واقتنائها والعناية الشديدة بها ، على أن " علم الجمال " يظل بشكل عام غائبا عن حقول المعرفة المعممة في ثقافتنا ، ويظل حكرا على أقلية من المتخصصين الجامعيين ، وثمة سبب آخر قادم من التباس الصفة " إسلامي " اللصيق بهذه الفنون التي يمنحها من الناحية الشكلية بعدا أيدولوجيا ،سوى أن لا بعد أيديولوجيا في الفن الإسلامي ، لأن الأمر يتعلق بأسلوب فني شبه موحد يمكن التعرف عليه في مشغولات آسيا الوسطى وبغداد العباسية ومصر الفاطمية وشمال أفريقيا والمغرب وصولا الى الأندلس
هنالك أسلوب يسمونه "الفن الإسلامي"وصار مصطلحا مشهورا اليوم ، ويمكن إطلاق أي تسمية أخرى بديلة ،تشدد على "تماثل " الأسلوب في فن أنتج في الحقب التي كان يسود فيها بطريقة وأخرى دولة قريبة من الفكر الإسلامي
*كنت من الذين التأم ومجموعة من المثقفين العرب في بيروت على توهج حركة الثقافة العربية ، التي حاولت تأسيس حالة تمتلك من الاختلاف والحوار ما يجعلها إحدى الفضاءات التي تستعاد بحنينية ، كلما جرى الحديث عن أزمتنا الثقافية الماضية في راهننا ، فما الذي جعل من بيروت حلما آنذاك وإلى لحظتنا هذه ؟
** تختصر بيروت فكرة الحرية الضرورية للثقافة ، ولا أدري مدى حقيقة هذا الأمر اليوم ، لكنه كان كذلك بالأمس ، وأظن أن سنوات نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات لم تشهد هذا لاحتشاد الفذ من فنانين وكتاب ورسامين وشعراء عرب كما شهدت بيروت ، فقد خلق ذلك نوعا من الحيوية الضرورية لتنشيط الفكر والروح كليهما ، وهو ما ساهم بسجالات ثرية وإطلاق أفكار وكتابات لم يكن بإمكانها الطلوع من مكان آخر من العالم العربي : " قصيدة البياض " و" مقهى الرصيف " و" الرصيفيون" ، و" نقد فكر المقاومة " ، ليست سوى أمثلة على ذلك ، انها أمثلة كانت حية وجد حقيقية ، مقارنة بالألاعيب اللغوية والأفكار المقيمة أو البالونات التي تطلق اليوم في العالم العربي هنا وهناك
لقد ضرب المنفى ضربته بعد بيروت . كل مثقفي العالم العربي ، وقعوا في جزره النائية التي لا يرون فيها إلا أنفسهم وثقافاتهم المحلية وهمومها : الجزيرة المصرية والجزيرة السودانية والجزيرة الأردنية والجزيرة العراقية والجزيرة اليمنية والجزيرة السورية ، وما الى ذلك
ما بعد بيروت هو تقوقع الثقافة العربية بكتل ، وانطواؤها على نزعات إقليمية ليست من طبيعة الثقافة أبدا ، وما يتوجب عمله الآن هو الذهاب عكس التيار والانفتاح ، كما كنا نفعل في بيروت ، على الثقافة العربية خلف الأقاليم والحدود والنزعات الضيقة
*.. وأخيرا .. كيف تتفق في عملك الإبداعي مع شغلك في البحث والدراسة في الفنون والنقد الفني ، بمعنى ، كيف تتفق مع هذا التقاطع الذي يحتاج الى ممارسة نوعية في العمل ؟
** ما الذي كان يمنع رجالا مثل محمد بنيس من كتابة أطروحة جامعية والقيام بالتدريس وكتابة الشعر ،ثم كتابة مقالة أسبوعية في صحيفة واسعة الانتشار ؟ المثال ينطبق على شاعر مثل أدونيس
أعتقد أن مفهومة احترافية للثقافة واجبة الآن في إعلامنا العربي . لست هاويا لكتابة الشعر ، وهذا لا يقع بتعارض مع اهتماماتي الأخيرة في البحث الأدبي ودراسة الفنون والنقد الفني التي تثري ، جوهريا ، عمل الشاعر . لنلاحظ أن جميع هذه الحقول هي حقول للجمال ، سواء بالإعلان عنه في الشعر أو في دراسة علاقاته في النقد أو الإحساس به وتذوقه في دراسة الفنون الجميلة الأخرى . انني أجمع الأصداف على ضفة الجمال